علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

113

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

المسألة الثانية : الفطر في السفر مباح ، والصوم جائز وبه قال عامة العلماء وقال ابن عباس وأبو هريرة وبعض أهل الظاهر : لا يجوز الصوم في السفر ، ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس من البر الصيام في السفر » وحمله عامة العلماء على من يجهده الصوم في السفر فالأولى له الفطر ويدل على ذلك ما روي عن جابر قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا ؟ قالوا صائم قال : ليس من البر الصيام في السفر » أخرجه البخاري ومسلم ، وحجة الجمهور على جواز الصوم والفطر في السفر ما روي عن أنس قال : « سافرنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم » أخرجاه في الصحيحين . المسألة الثالثة : اختلف العلماء في قدر السفر المبيح للفطر . فقال داود : الظاهري أي سفر كان ولو كان فرسخا . وقال الأوزاعي : السفر المبيح للفطر مسيرة يوم واحد . وقال الشافعي وأحمد ومالك : أقله مسيرة ستة عشر فرسخا يومان وقال أبو حنيفة وأصحابه أقله مسيرة ثلاثة أيام . المسألة الرابعة : إذا استهل الشهر وهو مقيم ثم أنشأ السفر في أثنائه جاز له أن يفطر حالة السفر ويجوز له أن يصوم في بعض السفر وأن يفطر في بعضه إن أحب ، يدل عليه ما روي عن ابن عباس : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه ، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » أخرجاه في الصحيحين . الكديد اسم موضع وهو على ثمانية وأربعين ميلا من مكة . المسألة الخامسة : اختلفوا في الأفضل . فذهب الشافعي إلى أن الصوم أفضل من الفطر في السفر ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال أحمد الفطر ، أفضل من الصوم في السفر ، وقالت طائفة من العلماء : هما سواء ، وأفضل الأمرين أيسرهما ، لقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . المسألة السادسة : يبيح الفطر كل سفر مباح ليس سفر معصية ولا يجوز للعاصي بسفره أن يترخص برخص الشرع وقوله تعالى : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ معناه فأفطر فعليه عدة من أيام آخر فظاهر هذا أنه يجوز قضاء الصوم متفرقا وإن كان التتابع أولى ، وفيه أيضا وجوب القضاء من غير تعيين لزمن القضاء فيدل على جواز التراخي في القضاء ويدل عليه أيضا ما روي عن عائشة قالت : « كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلّا في شعبان ذاك من الشغل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم » أخرجاه في الصحيحين يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ أي التسهيل في هذه العبادة وهي إباحة الفطر للمسافر والمريض وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أي وقد نفى عنكم الحرج في أمر الدين قيل : ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلّا كان ذلك أحب إلى اللّه تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أي عدد الأيام التي أفطرتم فيها بعذر السفر والمرض والحيض ، لتقضوا بعددها وقيل : أراد عدد أيام الشهر ( ق ) عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له ، وفي رواية فأكملوا العدة ثلاثين » وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ فيه قولان أحدهما أنه تكبير ليلة العيد ، قال ابن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا إهلال شوال أن يكبروا . وقال الشافعي : واجب إظهار التكبير في العيدين ، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : لا يكبر في عيد الفطر ويكبر في عيد الأضحى حجة الشافعي ومن وافقه قوله تعالى : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قالوا : معناه ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا اللّه على ما هداكم إلى آخر هذه العبادة القول الثاني في معنى قوله لتكبروا اللّه ، أي ولتعظموا اللّه شكرا على ما أنعم به عليكم ووفقكم للقيام بهذه العبادة عَلى ما هَداكُمْ أي أرشدكم إلى طاعته وإلى ما يرضى به عنكم وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اللّه على نعمه .